الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الآيات القرآنية بتدبر فإنها تكون سببا للخشوع ، والقرآن الكريم هنا يلوم بشدة قسما من المؤمنين لعدم خشوعهم أمام هذه الأمور . لأنه قد ابتلى كثير من الأمم السابقة بمثل هذا من الغفلة والجهل . وهذه الغفلة تؤدي إلى قساوة القلب وبالتالي إلى الفسق والعصيان . ولهذا هل نقتنع بادعاء الإيمان ، والعيش في رفاه والانشغال بالأكل والشرب ونمر أمام هذه المسائل المهمة ببساطة ؟ وهل أن أعمالنا ومسؤولياتنا تتناسب مع الإيمان الذي ندعيه ؟ هذه التساؤلات لابد من الإجابة عنها مع أنفسنا بهدوء وموضوعية . جملة : طال عليهم الأمد قد تكون إشارة إلى الفاصلة الزمنية بينهم وبين أنبيائهم ، ويحتمل أن يكون المقصود بها طول العمر ، أو طول الأماني ، أو عدم نزول العذاب الإلهي منذ مدة طويلة ، أو كل ذلك ، لأن كل واحدة من هذه الأسباب يمكن أن تكون عاملا للغفلة والقساوة ، وهي بدورها تسبب الذنب والإثم . جاء في حديث للإمام علي ( عليه السلام ) : " لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا ، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم " ( 1 ) . ونقرأ في حديث آخر عن لسان عيسى المسيح ( عليه السلام ) : " لا تكثروا بالكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ، والناس رجلان : مبتلى ومعافى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية " ( 2 ) . ولأن إحياء القلوب الميتة لا يكون إلا بالذكر الإلهي ، الحياة الروحية التي لن تكون إلا بظل الخشوع والخضوع وخاصة في أجواء القرآن الكريم . . لذا فإن القرآن يشبه عملية إحياء القلوب الميتة بإحياء الأراضي الميتة ، فكما أن هذه تحيا
--> 1 - بحار الأنوار ، ج 78 ، ص 83 ، الحديث 85 . 2 - مجمع البيان ، ج 9 ، ص 238 .